محمد بن جرير الطبري
275
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ظاهر الكلام . وذلك أن معنى الكلام : قالوا له : " ادع ربك " ، فلم يذكر له لما وصفنا . وقوله : يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ خبر من الله عن القوم بجهلة منهم ثالثة ، وذلك أنهم لو كانوا إذ أمروا بذبح البقرة ذبحوا أيتها تيسرت مما يقع عليه اسم بقرة كانت عنهم مجزئة ، ولم يكن عليهم غيرها ، لأَنهم لم يكونوا كلفوها بصفة دون صفة ، فلما سألوا بيانها بأي صفة هي ، فبين لهم أنها بسن من الأَسنان دون سن سائر الأَسنان ، فقيل لهم : هي عوان بين الفارض والبكر الضرع . فكانوا إذا بينت لهم سنها لو ذبحوا أدنى بقرة بالسن التي بينت لهم كانت عنهم مجزئة ، لأَنهم لم يكونوا كلفوها بغير السن التي حدت لهم ، ولا كانوا حصروا على لون منها دون لون . فلما أبوا إلا أن تكون معرفة لهم بنعوتها مبينة بحدودها التي تفرق بينها وبين سائر بهائم الأَرض فشددوا على أنفسهم شدد الله عليهم بكثرة سؤالهم نبيهم واختلافهم عليه ، ولذلك قال نبينا لأَمته : " ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم " . قال أبو جعفر : ولكن القوم لما زادوا نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم أذى وتعنتا ، زادهم الله عقوبة وتشديدا ، كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثام بن علي ، عن الأَعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها لكنهم شددوا فشدد الله عليهم . حدثنا عمر بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا المعتمر ، قال : سمعت أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : لو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأَجزأت عنهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن أيوب ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن هشام بن حسان جميعا ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، قال : سألوا وشددوا فشدد الله عليهم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، قال : لو أخذ بنو إسرائيل بقرة لأَجزأت عنهم ، ولولا قولهم : وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ لما وجدوها . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً لو أخذوا بقرة ما كانت لأَجزأت عنهم . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ قال : لو أخذوا بقرة من هذا الوصف لأَجزأت عنهم . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قال : لو أخذوا بقرة صفراء لأَجزأت عنهم . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ الآية . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه ، وزاد فيه : ولكنهم شددوا فشدد عليهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثتي حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : لو أخذوا بقرة ما كانت أجزأت عنهم . قال ابن جريج : قال لي عطاء : لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم . قال ابن جريج : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شدوا على أنفسهم شدد الله عليهم وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأَبد " . حدثني